عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
141
اللباب في علوم الكتاب
قوله : « بقوة » في محل نصب على الحال ، وفي صاحبها قولان : أحدهما : أنه فاعل « خذوا » وتكون حالا مقدرة ، والمعنى : خذوا الذي آتيناكموه حال كونكم عازمين على الجدّ في العمل به . والثاني : أنه ذلك العائد المحذوف ، والتقدير : خذوا الذي آتيناكموه في حال كونه مشددا فيه أي : في العمل به ، والاجتهاد في معرفته . قوله : « ما فيه » الضمير يعود على « ما آتيناكم » أي : اذكروا ما في الكتاب ، واحفظوه وادرسوه ، ولا تغفلوا عنه ، ولا يحمل على الذكر الذي هو ضدّ النسيان ؛ لأنه ليس من فعل العبد ، فلا يجوز الأمر به ، وفي حرف « أبيّ » « واذّكروا » بذال مشددة وكسر الكاف ، وفي حرف عبد اللّه « وتذكّروا ما فيه » [ ومعناه ] « 1 » : اتّعظوا به . قوله : لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أي : لكي تتقوا فتنجوا من الهلاك في الدنيا ، والعذاب في العقبى . قوله : ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ التولّي تفعل من الولي ، وأصله : الإعراض والإدبار عن الشّيء بالجسم ، ثم استعمل في الإعراض عن الأوامر والمعتقدات اتساعا ومجازا وذلك إشارة إلى ما تقدم من رفع الطّور ، وإيتاء التوراة . قال القفّال رحمه اللّه : « إنهم بعد قبول التوراة ، ورفع الطور تولّوا عن التّوراة بأمور كثيرة ، فحرّفوا التوراة وتركوا العمل بها ، وقتلوا الأنبياء ، وكفروا بها وعصوا أمرهم ولعلّ فيها ما اختصّ به بعضهم دون البعض ، ومنها ما عمله أوائلهم ، ومنها ما فعله متأخروهم ، ولم يزالوا في التّيه مع مشاهدتهم الأعاجيب ليلا ونهارا يخالفون موسى ، ويعرضون عنه ، ويلقونه بكلّ أذى ، ويجاهرون بالمعاصي حتى لقد خسف ببعضهم ، وأحرقت النار بعضهم ، وعوقبوا بالطاعون ، وكلّ هذا مذكور في تراجم التوراة ، ثم فعل متأخروهم ما لا خفاء به من تخريب « بيت المقدس » ، وكفروا بالمسيح وهمّوا بقتله . والقرآن وإن لم يكن فيه بيان ما تولوا به عن التوراة ، فالجملة معروفة من إخبار اللّه - تعالى - عن عناد أسلافهم ، فلا عجب في إنكارهم ما جاء به محمد - عليه الصّلاة والسّلام - من الكتاب والنبوة » . قوله : فَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ « لولا » هذه حرف امتناع لوجود ، والظّاهر أنها بسيطة . وقال أبو البقاء : هي مركّبة من « لو » ، و « لا » ، و « لو » قبل التركيب يمتنع بها الشيء لامتناع غيره ، و « لا » للنفي ، والامتناع نفي في المعنى ، وقد دخل النفي ب « لا » على أحد امتناعي « لو » والامتناع نفي في المعنى ، والنّفي إذا دخل على النّفي صار إيجابا ، فمن [ ثمّ ] « 2 » صار معنى « لولا » هذه يمتنع بها الشيء لوجود غيره وهذا تكلّف ما لا فائدة فيه ،
--> ( 1 ) في أ : ومعناها . ( 2 ) في أ : هنا .